السيد حيدر الآملي

274

تفسير المحيط الأعظم والبحر الخضم في تأويل كتاب الله العزيز المحكم

( في بيان من عمل على خلاف التقوى وهو من الذين ختم اللّه على قلوبهم ) وسيجيء ذكر التقوى أكثر من ذلك في البحث الثّالث الّذي بعد هذا البحث لكن الحقّ تعالى حيث ذكر التّقوى في الآية المتقدّمة ومدح المتّقين الموصوفين بها وذكر ثمرات تقواهم ومجاهداتهم الّتي هي الأنوار الملكوتيّة والآثار الجبروتيّة بعد فتح عين بصيرتهم لمطالعة كتابه الآفاقي والأنفسي مطابقا لما في كتابه القرآني ، أراد أن يذكر جماعة هم على عكسهم ، في الضّلال والعمى والكفر والطّغيان فقال في موضع : خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ [ سورة البقرة : 7 ] . وقال في موضع آخر : أَ فَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها [ سورة محمّد : 34 ] ، وقال : الَّذِينَ كانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطاءٍ عَنْ ذِكْرِي وَكانُوا لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعاً [ سورة الكهف : 101 ] . إلى قوله : وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَعْمى قالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً قالَ كَذلِكَ أَتَتْكَ آياتُنا فَنَسِيتَها وَكَذلِكَ الْيَوْمَ تُنْسى [ سورة طه : 124 - 126 ] . وقال تأكيدا لهذا : وَمَنْ كانَ فِي هذِهِ أَعْمى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمى وَأَضَلُّ سَبِيلًا [ سورة الإسراء : 72 ] . ومعلوم أن بين الذكر والعين الباصرة ليست مناسبة بوجه من الوجوه فالمراد بهما العين القلبيّة ، وبالغطاء الحجب المانعة لها عن رؤيتها ومشاهدتها وبالذّكر المعرفة الحاصلة من تلك المشاهدة كشفا وشهودا ، وذلك لأنّ الإعراض عن ذكر اللّه لا يمكن بالعين الباصرة لعدم المناسبة ، وكذلك النّسيان المنسوب إليها فإنّ النّسيان من عوارض القلب وعماه كما هو الذّكر من خواصه ولوازمه ، وأيضا لو كان المراد بالعمى عمى البصر لكان خارجا عن الحكمة والعدل ، أمّا الحكمة فلأنّها تقتضي صدور الأفعال على الوجه الأصلح والأنفع وليس من الحكمة إضافة النسيان